أصحاب السماحة والغبطة،
أصحاب الدولة والمعالي والسعادة،
أيها الحضور الكريم،
نجتمع الليلة في هذا الشهر المبارك، شهر الخير والبركات وشهر الصبر ومساءلة النفس.
وفي هذا ما يذكّرنا بمعنىٍ بسيط في العمل العام:
أن الثقة لا تُصان إلا بالصدق.
وهذه دعوة لنا جميعًا إلى كلامٍ أصرح وأفعالٍ أوضح.
واوّل ما يتطلبه بناء الثقة هو ان نسمي الأمور بأسمائها، وأن نضع الحقائق كاملة أمام الرأي العام، من دون مبالغة في الإنجاز، او تبرير للتقصير.
نلتقي اليوم بعد مرور سنة على نيل حكومتنا ثقة البرلمان ومباشرتها العمل.
سنةُ لم تكن عادية في أحداثها ولا في تحدياتها. خرج لبنان من حرب مدمّرة ... ولكن الاعتداءات الإسرائيلية لا تزال مستمرة، وهي تزيد من وجع أهلنا في الجنوب والبقاع ومن قلقنا جميعاً.
يوم تشكّلت هذه الحكومة،
كانت البلاد قد اختتمت خامسَ سنة، من عمرِ الانهيار الذي أصاب مدّخرات اللبنانيين، وأودى بقيمة أجورهم، وادخل البلاد في حلقة من الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية المتتالية.
فكان أن ارتفع الفقر بثلاثة أضعاف، ليطال واحداً من كل ثلاثة لبنانيين، كما تآكل 40 بالمئة من حجم الاقتصاد خلال الأزمة.
ولعقود خلت، كانت قد سادت ثقافة الإفلات من العقاب، واستباحة المجال والمال العام، وانعدام المساءلة والمحاسبة.
وذلك ما عمّق من عدم الثقة بالدولة، سواء من قبل المواطنين، الذين يقوم عليهم العقد الاجتماعي ومشروعيّة الحُكم، أو الاشقاء العرب والمجتمع الدولي.
من هنا، ثلاثة تحدّيات كبرى وقفت أمام بناء الدولة، إصلاحًا وإنقاذًا، كما أشار عنوان حكومتنا:
أولاً،
في الأمن والدفاع واستعادة الدولة سيادتها،
وثانياً،
في بدء مسار التعافي المالي والاقتصادي، والإصلاح.
وثالثاً،
في إطلاق عمليّة المساءلة والمحاسبة.
وهذه تحديات مترابطة.
منذ اليوم الأوّل، وفي كلمتي أمام المجلس النيابي، أشرتُ إلى معرفتنا بطبيعة هذه التحديات. لكنّني أشرت، في الوقت نفسه، إلى تصميمنا على مواجهتها.
فأوضحت أننا حين قلنا "نريد" في بياننا الوزاري، لم نقلها على سبيل التمنّي والتطلّع والتأمّل. بل على سبيل الالتزام، وتحديد الهدف والوسائل، والتنفيذ.
وكانت هذه سمة حكومتنا منذ تشكيلها.
بعد سنة، نحن لا ندّعي أننا حققنا المعجزات. فنحن ندرك أن معاناة الناس أكبر من أي إنجاز يمكن أن نذكره اليوم. لكن لا بد لنا من التأكيد اننا بوضعنا الأسس اللازمة للتصدي لهذه التحديات، فقد بدأنا بتغيير مسار كان يقود حتمًا إلى انهيار كامل للدولة والمجتمع.
ففي مسار بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها واستعادة سيادتها،
أعلنت حكومتنا في 5 آب 2025، عزمها على حصر السلاح بيدها وحدها وكلّفت الجيش اللبناني إعداد الخطّة والتنفيذ.
وفي نهاية العام المنصرم، أنجز الجيش المرحلة الأولى من الخطّة جنوب نهر الليطاني. وهي المرة الأولى منذ عام 1969، أي منذ أكثر من نصف قرن، التي تستعيد فيها قواتنا المسلحة السيطرة العملانية الكاملة على هذه المنطقة. فلها منّا أكبر تحية.
وفي جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت عشية بدء هذا الشهر المبارك، أبلغنا الجيش عن استعداده لتنفيذ المرحلة الثانية من خطته لحصر السلاح، أي شمالاً بين نهريّ الليطاني والاوّلي. وتساءل البعض عن المدة المطلوبة لذلك، أهي مدة مفتوحة، ام هي أربعة ام ثمانية أشهر، او غير ذلك. والجواب ان المهمة قابلة للتحقيق في أربعة أشهر إذا توفّرت لقوّاتنا المسلحة نفس العوامل المساعدة والمساندة، التي تأمّنت عند تنفيذ المرحلة السابقة. ومن اجل استكمال هذه الخطة في كل مراحلها، فإننا كحكومة، سوف نعمل على أن تنال قواتنا المسلحة كل الإمكانات المطلوبة، كما
اننا سنعمل على استمرار إحاطتها بأوسع احتضان سياسي وشعبي، كما حصل عند تنفيذ المرحلة الأولى من الخطّة.
ويبقى ان سيادة الدولة وبسط سلطتها بقدر ما يتطلبان استعادة قرار الحرب والسلم وتحقيق حصرية السلاح، فانهما يتطلبان ايضاً حضور الدولة الإنمائي والرعائي في حياة المواطنين. من هنا، كان التزامُ حكومتنا بإعادة إعمار الجنوب التزامًا ثابتاً منذ اليوم الأول. ولهذا ما عدت الى الجنوب ثانية، بعد ان كنت قد زرته في الأيام الأولى لنيل حكومتنا الثقة، الا وقد تأكدت انني اعود
اليه ومعي ما هو أثقل وأصدق من الوعود: مشاريع محددة، ومسارات تنفيذ، وتمويلًا مخصّصًا بدأنا بتأمينه، وخططًا تُترجَم على الأرض. فجنوبنا لا يحتاج وعوداً او خطبًا تواسيه، بل عملاً يُعيد الناس إلى بيوتهم وحقولهم ومدارسهم، ويُثبت أن الدولة ليست زائرةً عند الأزمات، بل حاضرةٌ في البناء والانماء.
ومثلما أن استعادة سيادة الدولة في الداخل لا تستقيم من دون قرار واحد، وجيش واحد، وقانونٍ واحد، فإن استعادة لبنان الدولة موقعه ودوره في الخارج لا يمكن أن تقوم الّا على أساس المصلحة الوطنية العليا، وليس تلبية لمصالح أو علاقات هذه الفئة او تلك من اللبنانيين.
لذلك، كان من أولوياتنا خلال هذه السنة أن نعيد وصل لبنان بعمقه العربي بوصفه امتدادًا طبيعيًا لهويته ومصالحه، وبوصفه أيضًا شرطًا من شروط الاستقرار والازدهار. ومن هذا المنطلق، سعينا إلى أن تقوم علاقاتنا مع اشقائنا العرب على قاعدة الثقة المتبادلة، تترجَم عربياً دعمًا سياسيًا وانفتاحًا استثماريًا ويقابلها التزام لبنان بأن يكون شريكًا موثوقًا، لا ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية، او منصة يمكن استخدامها لإيذاء أي من اشقاءه العرب.
وكان هذا العام أيضًا عام إعادة تصويب العلاقة مع سوريا على قاعدةٍ تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، وعلى الاعتراف الصريح بأن التداخل التاريخي بين البلدين، حين يتحوّل إلى تدخل في شؤون الاخر، فهولا يفيد او يحمي أحدًا، بل يضرّ الطرفين معًا.
اما في مسار الإصلاح والتعافي،
وبعد خمس سنوات من المراوحة، والاستنزاف في مقدرات البلاد، مضت حكومتنا في خطّة متكاملة للتعافي المالي واستعادة الودائع.
واليوم، أستطيع القول أنّنا، ومقارنة بجميع مراحل الأزمة السابقة، بتنا في أقرب نقطة للعودة إلى الانتظام المالي. وهذا ما سيمهّد لخروج البلاد من كابوس الانهيار، الذي صنّفه البنك الدولي كأحد أكبر ثلاث انهيارات اقتصاديّة في التاريخ الحديث.
ومن يراجع الخطوات التي قمنا بها، سيرى ترابطها ضمن رؤية مكتملة.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر:
مشروع قانون ما يعرف بالفجوة قد أرسى مبادئ للمحاسبة، كاستعادة الأرباح والمكافآت غير الطبيعيّة، وتغريم أعمال خروج الأموال خلال الأزمة، وغيرها وغيرها ... لكنّه استند هنا إلى الأدوات التي أتاحها قانون رفع السريّة المصرفيّة، التي عملت عليه حكومتنا، والذي أتاح مفعولاً رجعيًا يمتد لـ 10 سنوات، أي منذ بدء ما عرف بالهندسات الماليّة.
ومشروع قانون الفجوة، جاء كذلك ليكمّل أدوات قانون إصلاح أوضاع المصارف، التي وحّد -ولأوّل مرّة- الإطار القانوني لتقييم وإعادة هيكلة المصارف المتعثّرة.
لقد بات مشروع قانون الفجوة الماليّة بحوزة البرلمان. ونحن لسنا منفتحين على نقاشه فحسب، بل على اية تعديلات قد تسمح بتحسينه وتطويره.
ما تبقى أمام حكومتنا، في مسار التعافي هذا، هو إعداد مشروع الإطار المالي المتوسّط الأجل. هذا المشروع، سيسمح ولأول مرّة للحكومة بتخطيط إنفاقها وجبايتها لخمس سنوات مقبلة، مع إعادة تصميم النظام الضريبي واصلاحه لتفعيل أدوات الجباية والامتثال، والاهم لجعله اكثر عدالة في توزيع الأعباء.
لكن الإصلاح الذي باشرنا به لم يقتصر على الجانب المالي بل شمل تعزيز استقلالية القضاء، واعتماد آلية أكثر شفافية وتنافسية في التعيينات الإدارية، كما قمنا، وبعد طول انتظار، بتشكيل الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية مثل الطيران والكهرباء والاتصالات، وأطلقنا مسارًا للرقمنة في عدد من الوزارات والإدارات، بهدف تحسين أدائها وتسريع معاملات المواطنين، والحد من الرشوة والفساد الإداري.
بيد ان الكلام عن الإصلاح لا يكتمل دون التأكيد مجدداً على ضرورة استكمال تطبيق اتفاق الطائف، دون تجزئة او استنسابية، أي ككل متكامل، وتصحيح ما طبق منه خلافاً لنصه او روحه،
والعمل على سد ما بينته الممارسة من ثغرات فيه، والاستعداد لتطويره عندما تبرز الحاجة الى ذلك.
اما في مسار المساءلة والمحاسبة،
فقد اتّخذت الحكومة منذ تشكيلها خطوات صارمة على مستوى ملاحقة الشركات المتهربة من دفع الضرائب، وهذا أحد أبرز وجوه الهدر الكبير التي فوّتت على الدولة المليارات سنوياً.
والأرقام تتحدّث هنا، ففي مجال الضبط الجمركي مثلاً، فقد نجحنا في رفع الإيرادات في العام المنصرم بأكثر من الضعف.
ولكل من لا يزال يعتقد ان بإمكانه الاستمرار في التهرب من التزاماته الضريبيّة او الجمركية، ليعلم ان المحاسبة بانتظاره.
ولقد بدأنا كذلك بإصدار أوامر تحصيل الغرامات والرسوم، العائدة لإصحاب المقالع والكسارات، وللمعتدين على الأملاك البحريّة والنهرية.
وهنا ايضاً، تأكدوا اننا مصممون على ملاحقة كل من يتخلف عن تسديد الغرامات والرسوم المتوجبة عليه أمام القضاء، لفرض التحصيل.
ومثلما بدأت وزارة الطاقة خلال الأيام الماضية التحضير للتدقيق الجنائي في عدد من المشاريع المرتبطة بهذه الوزارة أؤكد لكم ان هذه الخطوات ليست معزولة، فنحن سوف نمضي بهذا المسار، كما نصّ البيان الوزاري، في سائر الوزارات والمؤسسات العامّة.
أيها الحفل الكريم،
بينما نحن نسعى الى ترسيخ الامن والاستقرار كشرط لوضع البلاد على طريق التعافي والنهوض، علينا ايضاً ان نعي تماماً اننا نعيش في منطقةً تتغيّر بسرعة، وتشهد استقطابات حادة وانعطافاتٍ تاريخية تُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات فيها.
وفي ظل المخاطر المحيطة بنا، ليس من مصلحتنا، بايّ صورة من الصور، ولن نقبل أن ينجر لبنان إلى مغامرة أو حرب جديدة، وأملنا بأن يتمتّع الجميع في هذا الشهر الفضيل بالعقل والعقلانيّة، والحكمة والوطنيّة، فتعلوا عندهم مصلحة لبنان فوق أي حساب آخر.
في الخلاصة، من البديهي أن عمر الحكومة سينتهي مع إنجاز الاستحقاق الانتخابي.
ما أنجزناه قد لا يلبي جميع طموحاتنا، ولا طموحات جميع اللبنانيات واللبنانيين.
ولكن ما يهمنا هو أنّ نكون قد وضعنا البلاد على طريق مختلفة، طريق إعادة بناء الدولة ومؤسساتها واستعادة ثقة المواطن بها.
واملنا أن نكون قد نجحنا بعكس مسار الانهيار، وفتحنا آفاقاً جديدة امام شباتنا وشبابنا.
وشكراً.